المقريزي
481
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فوق جميع الناس . وعرف عنه أيضا إذا تحاكم إليه شريف مع آخر أنه يتحامل على الشّريف ويزعم أنّ الأشراف تظلم النّاس . وكان إذا تحاكم إليه ذمّيّ ومسلم نصر الذّمّيّ لأنه كان يزعم أنّ الذّمّي لا يقدر أن يظلم مسلما . وأذهب حرمة مكة شرّفها اللّه تعالى ، فإنه صيّرها دار مكس يحمل منها في كلّ سنة عشرات آلاف دنانير مما يؤخذ من التّجّار بجدة ومما فرضه على الشّريف بركات مما ألزمه به حتى ولّاه بعد أبيه إمارة مكة ، ومما ألزمه به مما بقي على أبيه حسن بن عجلان . وأفحش أيضا في أمراء المدينة النّبوية وقضاة مكة ، فإنه كان لا يولّي أميرا بالمدينة النّبوية من أشراف بني حسين إلا بمال كبير يقوم له به . ومع ذلك فيأخذ بعض أعيان أهل الدّولة إقطاع أمير مكة وإقطاع أمير المدينة على أنه استأجره ، فيدفع له في الدّرهم فلسا مع سب وكيله وإهانته ، وكذلك قضاة مكة إنما يولّيهم بمال يقومون له به سوى ما يأخذه أهل دولته ، وكذلك نوّاب الشّام وولاة أعمال مصر ، وشيوخ العربان ، وقضاة القضاة وغيرهم ، إنما يولّيهم بمال يقومون له به ولأهل دولته ، لا جرم أنّ ولاة كل أمر ساءت سيرتهم في أيامه وشنعت قالة العامّة فيهم ، واقتدى به في مقت رعيته من الفقهاء والكتّاب والتّجار والفلّاحين جميع أهل دولته من الأمراء والمماليك وصاروا يجهرون بسبّهم ويصرخون بذمّهم ، وكذلك تبعوه في الشّح حتى في المأكل ، والطّمع في القليل والكثير من المال بحيث ظهرت الفاقة في عامة النّاس ، وتنافس الأعيان في البخل ، كما كانوا من قبلهم يتنافسون في المكارم ، وتوزّعوا أنواع الرّذائل والدّناءات حتى كسدت في أيامه جميع العلمية والعملية بحيث لم يرج فيها سوى مضحك يقال له مسخرة أو عون لهم على مظلمة يجمع لهم منها المال بكل طريق حتى أنه كان يجهر من له تصرّف في الدّولة بحضرة الملأ من النّاس ، فيقول : العلم والدّين ليس بشرط في القاضي ، والسّلطان لا يريد من القاضي ورعا ولا عفّة إنما يريد المال ، ونحو هذا من القول المنكر ، وخربت في أيّامه أعمال مصر والشّام خرابا لا يكاد يتدارك إلا أن يشاء اللّه لشدّة جور